ذاك الغريب

يراعٌ مدفونٌ تحتَ طبقاتِ صدري
رمادٌ مسحوقٌ في جوف عينيَّ
خيوطُ عنكبوت بنيت على جدارِ آمالي …
دقات الساعة ضجيجها يجعل مني مجنوناً أتجول في طرقاتٍ مزدحمةٍ ذهاباً واياباً
أتنفس الألم شهيقاً ثم اضحكُ زفيراً.. أشعلُ دموعي ناراً فتحرقني
أركضُ مفتشاً عن الحب
لجأتُ إلى الاهتمام فركلني بقدميه
ذهبت إلى الصدق فاوسعني ضربًا
قلت لقلبي دعني وشأني … فنعتَني بالأبله
صرخ بي عقلي أنِ اهربْ
كلما هممتُ بالهروب عرقلتني الأسئلة
كانت جميعُ إجاباتها ميتةً لا روح فيها
ستظل غريبا…
غريبٌ في متاهات جمعتْ عتماتِ الكواكبِ البعيدة
كم بي من أسرار
كم من حقيقة عالقة بين ركام الشك وأخرى تتطاير في فضاءاتِ الكون من دون توقفٍ
تعب منها الخيال
الخيال الواسع الذي كان في يوم من الأيام فارساً ماهراً بل ربّانا عظيماً، مازال كذلك لكنه يركب الوهم ببراعة قاتلة
إنه ذاك الغريب.
غريبٌ ركنَ الى كوخ بمثابة قصرٍ للأمنيات المنتهية الصلاحية
فيه ريشة رسام مبتورة، وعود شرقي مقطوع الأوتار، فيه ناي تعب من ثقوبه المنسية إلا من رياحٍ عبثيةٍ
كوخٌ كان الفراشُ فيه محشواً بفراغٍ عجيبٍ أتعبَ ذاك الغريبَ، هَمَّ بالخروج منه مسرعاً يحمل في جيبه المتعبِ بعضاً من لفافاتِ التبغ التي أشعلها بتنهده الكئيب، أمسك دخانها بيديه، حلق إلى حديقة حمقاء تسكنها الأشواك، تحتل أركانها شمسٌ قويةٌ فوق احتمال الكرة الأرضية، جلس على مقعد مكسور المشاعر معدوم الملامح، بدا مختنقاً، بات بحاجة الى الأوكسجين وشيء من الراحة، تدحرج به الألم بعد أن دلّه غرابُ الحديقة الواقفُ على شجرةٍ ثمارها سكاكين حادةٌ إلى متجر كبير فيه جميع أصناف المشاعر المسبقة الصنع، معلبةً رخيصةَ الثمن متعددة الأشكال ولجميع الأعمار وفي جميع أقسام هذا المتجر توزع الأقنعة وبشكل مجاني، ماعليك إلا أن تختار القناع لتظهر بالصورة التي تريد أن تلعب بها دورك، هناك أقنعة بوجهين أو أكثر، لم يزده هذا المتجر إلا اختناقا، أين يذهب ذاك الغريب؟…
من عدة أبواب لا يعرف إلى أين تؤدي اختار باباً يبدو أثرياً، دخل الباب مطمئناً إلا أن رائحة الموت ملأتِ المكان، ..صور قبيحة بشعة كبشاعة الجريمة الأولى … صراخ وأنين وخفافيش أسست مملكتها الشديدة الظلام.. وقعَ مغميًّا عليه ليجدَ نفسه في حفلة تنكرية كل من فيها يجيد أنواع الكذب والنفاق، يمكنك من خلالها أن تبادل الحب لأكثر من شخص في آن واحد وأن ترتب الكلمات حسب مزاجك، أن تحمل هاتفًا نقالاً وتسرد به ما تشاء من مشاعر تحت شعار الحب المسجون بين أنياب العابثين
اختار الصمت ثم أراد أن يكون متمرداً جاحداً بكل ما رأى، استل قلمه من غمد شرايينه وبدأ بالصراخ لكنَّ ضجيجَ المكان غلب القلم حتى نزفت الشرايين وبات خائرَ القوى حتى دفن اليراع تحت طبقات صدره المنهك وبقي غريباً
أمسك كتاباً وبدأ القراءة بنهمٍ على أمل أن تعود رائحة القهوة وطعمها كما كان يحب أن يشربها عنترةُ بن شداد وامرؤ القيس، عسى أن يزهر القلم في زمن غريب
محمد تلاوي

المزيد...
آخر الأخبار