الفداء_ رهام الخالد
يتصدر صحن الباطرش المائدة الرمضانية في بيوت حماة، بوصفه الطبق الأكثر ارتباطاً بهوية الشهر الكريم في المدينة. «إذا بدك تعرف العزيمة الرمضانية حموية، لازم يكون موجود صحن الباطرش»، هكذا صرحت أم عدي، إحدى الأمهات الحموية، لصحيفة الفداء، مؤكدةً أن حضور هذا الطبق على السفرة ليس خياراً، بل تقليد متوارث يعكس أصالة المطبخ الحموي.
أطباق دسمة… عنوان الكرم في العزائم
كما تحضر في العزائم الرمضانية، الأطباق الحموية الدسمة التي تعدّ عنوان الكرم في المدينة، ومن أبرزها السخاتير، وورق العنب، والشاكرية، وهي أطباق تحتاج إلى وقت وجهد في التحضير، ما يجعلها مرتبطة بالمناسبات والولائم العائلية الكبيرة.
وتحرص ربات البيوت في حماة، على تقديم هذه الأصناف في الدعوات الرمضانية، تعبيراً عن حسن الضيافة وتمسكاً بالتقاليد المتوارثة، حيث تجتمع العائلة حول أطباق عامرة.
إفطار اليوم الأول… لمّة في بيت الجد
تحافظ العائلات في حماة، على تقاليد راسخة في اليوم الأول من رمضان، إذ جرت العادة أن يكون الإفطار في بيت الجد أو كبير العائلة، تأكيداً على دوره الجامع ولمّ الشمل.
كما تفطر المرأة المتزوجة في أول أيام الشهر في بيت أهل زوجها، فيما يحرص الرجل المتزوج على أن يكون إفطاره الأول في بيت أهله، في تعبير عن التمسك بصلة الرحم، واحترام الأعراف الاجتماعية.
تبادل السكبات… مشاركة تعزز الألفة
وبقيت عائلات حماة تحافظ على عادة رمضانية أصيلة تعرف بـ”تبادل السكبات”، حيث ترسل كل أسرة قبيل أذان المغرب، طبقاً من طعامها إلى الجيران، وتتلقى بالمقابل أطباقاً متنوعة تزين مائدتها، لتتحول سفرة الإفطار إلى لوحة غنية بالأصناف المختلفة. ولا تقتصر “السكبات” على تبادل الطعام فحسب، بل تحمل في طياتها رسائل محبة واهتمام، إذ يحرص الأهالي على اختيار أفضل ما أعدّوه لإهدائه، تأكيداً على عمق العلاقات الاجتماعية بين أبناء الحي الواحد، ومع مرور السنوات بقيت هذه العادة حاضرة رغم تغيّر الظروف.
المسحراتي… صوت السحور في الأزقة
يجوب المسحراتي أحياء حماة قبيل الفجر، حاملاً طبلته الصغيرة ومردداً عبارات تقليدية أبرزها “يا نايم وحد الدايم”، يوقظ بها الأهالي لتناول السحور.
ومع وقع الطبل، وصوته المنادي بأسماء الأطفال أحياناً، يستيقظ الحي على أجواء رمضانية خاصة تعيد إلى الذاكرة بساطة الماضي، وروح الألفة بين الجيران.
ورغم التطور ووجود المنبهات الحديثة، ما تزال بعض الأحياء الحموية تحافظ على هذه العادة، بوصفها طقساً شعبياً يضفي على ليالي رمضان نكهة تراثية مميزة.
حلويات رمضان… القطايف والمعجوقة

تحتل الحلويات مكانة خاصة على المائدة الرمضانية في حماة، حيث لا يكاد يخلو بيت من صحن قطايف، أو طبق معجوقة، بعد الإفطار، أو عقب صلاة التراويح.
فالقطايف، تعدّ سيدة الحلويات الرمضانية، تُحشى بالقشطة ثم تقلى وتغمر بالقطر، لتقدم دافئة وتفوح منها رائحة السمن العربي وماء الزهر، معلنة اكتمال طقوس الأمسية الرمضانية.
أما المعجوقة، فهي من الحلويات الشعبية المرتبطة بالمدينة، وغالباً ما تزين بالمكسرات، أو تقطع على شكل مربعات صغيرة، وتحرص العائلات الحموية على إعدادها في المنازل، أو شرائها من محلات الحلويات التقليدية.
السوس والجلاب… نكهة الانتعاش عند المغيب
لا تكتمل السفرة الرمضانية دون حضور المشروبات التقليدية التي ارتبطت بالشهر الكريم، وفي مقدمتها السوس والجلاب.
فشراب السوس، بلونه الداكن، ومذاقه المائل إلى المرارة الخفيفة، يعدّ من أكثر المشروبات طلباً عند الإفطار، لما يمنحه من إحساس بالانتعاش بعد ساعات الصيام.
أما الجلاب، بلونه الكهرماني، وطعمه الحلو المنعش، فهو خيار مفضل لدى الكبار والصغار على حد سواء، وتحرص العائلات الحموية على تقديم هذين المشروبين إلى جانب الماء والتمر ليشكلا جزءاً ثابتاً من طقوس الإفطار.
هكذا تمضي الأيام الرمضانية في حماة، محملة بنكهات متوارثة وطقوس راسخة، لتؤكد أن المائدة ليست مجرد طعام، بل حكاية هوية وذاكرة، وأن روح الشهر الكريم لا تكتمل إلا بلمة الأهل، ودفء المشاركة، التي تميز المجتمع الحموي جيلاً بعد جيل.
#صحيفة_الفداء