قصة ( بين الحلم و الحقيقة )


منذُ أن وطأت قدمايَ هذا المكانِ المخيف , غاصتْ في الوحلِ ومشيتُ بصعوبةٍ بالغة ، لكنّ الاصرارَ على الوصولِ جعلني أتابعُ دونَ كللٍ أو مللٍ أو تعبْ, بدأتْ تسوّدُ السماء , الشمسُ تبدو كأنها ستغادرُ باكراً ، كلُّ ما حولي يوحي بأن لا حياةَ هنا ، أغصانُ الشجرِ اليابسِ تضربُ وجهي من حينٍ لآخر ، بقايا عظامٍ لمخلوقاتٍ يبدو أنّها قضتْ منذُ زمن .
بدأ الظلامُ يخيمُ بسرعةٍ غيرِ معتادة ، الضوءُ لا ينفذْ إلا بخيوطٍ رفيعةٍ تكادُ تنتهي أشعّتُها قبلَ وصولِها إلى المكان ، بدأتُ أحسِ ببرودةِ المكانِ و رطوبتِه ، بدأتْ خطواتي تتثاقلُ شيئاً فشيئاً ، و راحتْ قدمايَ تلتصقانِ بأرضِ المكانِ تحتَ ثقلِ جسميَ المنهكِ من التعبِ و الجوعِ و البردِ و الخوف ، تعثرتُ مراتٍ و مرات ، و تحاملتُ على قدماي رغماً عنهما ، كنتُ أستجمعُ قواي كلّما خارت، أستمدُ قوتي من صوتِهما الّذي يترددُ صداهُ في جسدي – بابا بابا – متى نصل ؟ مالك لا تقوى على المشي أين نحن ؟ فيشتد عودي وتعودُ الحياةُ إلى كتفايَ حيث أحملهما ،سنصلُ قريباً يا عزيزتاي.
مضيتُ في طريقي ، دخلتُ في نفقٍ مظلمٍ لا تكادُ تُرى جدرانُه من شدّةِ الظلام ، ارتطمتُ عدةَ مراتٍ بالحائط ، شُجَّ رأسي ، تحسستْ إحداهما دماً يسيل ، بابا بابا ما هذا ؟ لا شيء يدعو إلى القلقِ… مجردُ عرقٍ يسيلُ من رطوبةِ المكان.
أسرعتُ الخطى أملاً بنهايةِ النفقِ المخيف ، فجأةً علتْ أصواتٌ غريبةٌ مخيفةٌ وتحوّلَ النفقُ إلى كهفٍ عريضٍ لا يُرى آخرُه .
أشياءٌ غريبةٌ تنسدلُ من سقفِ الكهف ، ترتطمُ بوجهي تارةً و بصدري تارةً أخرى، وقعتُ أرضاً ، دارتْ عيوني في السقفِ المخيف ، تنبهتْ ، إنهما غيرُ موجودتان ، وقفتْ سريعاً متحاملاً على ساقايَ المنهكتانِ و بحثتُ في كل ركنٍ دونَ جدوى.
فجأةً شقّ شعاعٌ طريقَه في المكان ، الضوءُ يتسعُ شيئاً فشيئاً ، تبعتُ الضوءَ ، وصلتُ الى النهايةِ السعيدة ، الأشجارُ مزهرةٌ و ألوانُها صورٌ ربانية ، الطيورُ تغرّدُ و الأرضُ ما عادتْ موحلة ، بل يكسوها مرجٌ أخضرٌ و يزينها ينبوعٌ من ماءٍ عذب ، نسماتٌ من هواءٍ عليل ،

إنّهما هناك تقطفانِ الثمارَ وتملآنِ قربةَ الماء ، بابا بابا ، انتظرناكَ طويلاً ، ابتسامةٌ فعناقْ ، نسيتُ كلَّ معاناتي ، شربتُ من قربتِهما وتناولتُ ثماراً من يديهِما . أيقنتُ أن الّلهَ سيّريني بعينيهِما الكفيفتينِ و أمدّني بالقوةِ من صوتِهما .
صعدنا إلى الحافلة ، فجأةً تغيّرتِ الاجواءُ من حولنا ، أصواتُ الرياحِ تملأُ أذني ، زخاتُ المطرِ تضربُ الزجاجَ بقوة ، البردُ يتسللُ إلى الروحِ قبلَ العروق ، حفيفُ الشّجرِ يُطفي نعومةً على حزنيَ الّذي أثقلَ كاهلي ، على ذكرياتٍ قد مضتْ و مازالتْ موجودةً في كلِّ تفاصيلِ حياتي.
تذكرتُ كيفَ تلقينا الخبرينِ كصاعقةٍ حفرتْ عميقاً في أرواحِنا، في كلّ ما نعيشُه ، وفي كلِّ معنىً لوجودِنا ، أثرُهُما في العيون ، في ملامحِ وجوهٍ شاختْ أمام شعورٍ قاسِ بالعجز، وجوهٌ سلّمتْ بقضاءِ اللهِ وقدرِه ،إلّا أنّ القلوبَ تبقى مجبولةً بالعواطف ، إيمانٌ مريحٌ وحزنٌ يتسللُ في لحظاتِ ضعفٍ نعيشُه لنتجاوزه بما نحملهُ من إيمانٍ ومحبةٍ لهما.
أفقتُ من غفلتي على صوتِهما المتداخلِ مع حفيفِ الشّجرِ و حباتِ المطرِ ، بابا بابا ، تفوقنا في الدراسةِ و حصلنا على امتياز .
رنّةُ الفرحِ في صوتِهما أعادتني إلى الحياة ، احتضنتُهما وأنا أخفي دموعي و كلّي ثقةٌ بأنّهما ستكونانِ فخراً لنا إن شاءَ الله.
فجأةً رنَّ جرسُ المنبهِ عندَ الساعةِ الرابعةِ وخمسٍ وأربعين دقيقةً من فجرِ ذلكَ اليوم ، أدركتُ حينَها أنّ النّومَ قد تسلّل إلى جفونِي بعدِ ليلةٍ عصيبة ، أو بالأحرى يمكنُ أن أكونَ قدِ استدرجتُ النّومَ إلى جفوني رغماً عن أنفِه وفي النهايةِ والمهمُ أنّي قد غفوتُ ما يقاربُ الساعتينِ على الاقل.
كانت ليلةً عصيبةً ، رشحٌ ، زكامٌ ،احتقانٌ ،التهابُ بلعومٍ حاد ، وهنٌ عام ، عظامٌ متكسرة ، أطرافٌ لا أحسُّ بها.
استجمعتُ ما وفرتُ من طاقةٍ مكنونةٍ اختزنتُها خلالَ الساعتينِ الماضيتينِ فأدّيتُ صلاةَ الفجرِ على عجلٍ وعدْتُ إلى فراشي من جديد .
مررتُ بنظرةٍ خاطفةٍ على بسمَتي عمري ، ديما الكبيرةُ و رهفُ الصغيرةُ ، تمنّيتُ أكثرَ من أيّ يومٍ مضى أن تكونَ الفتاتانِ مثلَ باقي أطفالِ العالم .
لأولِ مرة دمعتْ عينَاي ، فالنّظرُ و البصرُ هبةٌ عظيمةٌ من الله ، مررتُ بكفي على العيونِ الأربعِ داعياً لهما بالشفاء .
استلقيتُ في الفراشِ على ظهري و دارتْ عيوني في السقفِ المعتم ، عادتْ بيّ الذكرياتُ إلى ليلةِ الثاني عشرَ من حزيرانَ من العام 2007، أي قبلَ أقلّ من عشرِ ساعاتٍ على قدومِ ديما ،استرجعتُ الحلمَ الّذي راودني .
في الحلمِ ، على سطحِ المنزل ، فتاةٌ حلوة ، منظارٌ كبير ، جبلُ زين العابدين شامخٌ أمامنا ، بابا .. بابا ماهذا المنظار ؟ لا يعمل ، تفقدتُ غطاءَ العدسات ، الغطاءُ مفتوح ، نظرتُ بدوري ، الجبلُ شامخٌ أمامي و السياراتِ جيئة

ً و رواحاً ، طلوعاً و نزولاً ، لم أرو منامي لأحد ، أضغاثُ أحلام .
عصرَ ذلك اليوم.. جاءتْ ديما إلى الحياة ، أسبوعْ ، أسبوعان ، شهرْ ، شهران ، ديما لا تتحسسُ الأشياءَ بعينيها ، النساءُ طبيباتُ هذا العصر : يا ولدي قبل الأربعينَ يوماً لن تزالَ الغشاوةُ عن العيونْ ، فهذا طبيعي ، أقنعنا أنفسَنا .
ثمّ إلى الاطباء ، رضٌّ في العصبِ البصري ، ضعفٌ في الشبكيّة ، مدٌّ نظريٌّ حاد يبلغُ عشرَ درجات ، استحالة في اللطخةِ الصفراء ، تشوّهٌ في العصبِ البصري .. منشأه دماغيٌ خلقي ، و في النهاية ، لا حلٌّ ولا علاجٌ و لا جراحةْ.. و أخرُ الأطباءِ كان أحلاهم : هناكَ علاجٌ وحيد ، أن تدعوَ الله .
أدركتُ أنّ المنامَ ليس بأضغاثِ أحلام ، إنّه رؤيا و لكنْ ما تجرأتُ أن أحكي لأحد ، لن يصدقَ أحد .
مرّتْ بيَ الذكرياتُ إلى ليلةِ التاسعِ من أيلول من العام 2009 م ، قبلَ ولادةِ بسمتي الصغرى رهف بسويعاتٍ قليلة .
نفسٌ الحلم ، نفسُ السطح ، ذاتُ المنظار ، ذاك الجبل ، بابا بابا ما هذا المنظارْ ! لا يعملْ ، لم أتفقدِ الغطاءَ هذه المرّة ، أدركتْ .
جاءتْ رهفٌ إلى الحياةِ و كلّهم أملْ ، شكلُ عينيها يوحي بأنّها سليمةْ، لم أتجرأ أن أحكي عن حلمي لأحد ، بعدَ شهر ، شهرين ذاتُ المشكلة ، الحمد لله.
مرّت بي الذكرياتُ إلى الحلم الثالث ، أتمنى من الله أن يكونَ رؤيا ، ديما على السطح ، جبينُها مقطوبٌ بستِ خرزاتٍ أو أكثر ، بابا بابا ، جبلٌ جميل ، بدونِ منظارٍ هذه المرة ، إنّها ترى .
مرّت بي الذكرياتُ إلى الحلمِ الثالث ، أتمنى من اللهِ أن يكونَ رؤيا ، رهفٌ على ذاتِ السطح ، وجنتاها مكويتانِ بالنار ، بابا بابا ، جبلٌ جميل ، بدون منظارٍ هذه المرّة أيضاً .
عادت بي الذكرياتُ إلى ذلك اليوم ، فكّرتُ كيفَ سأقنعُ الجميعَ بما رأيت .
كتبتُ عشرَ وريقاتٍ وضعتها في ظروف ، وزّعتها على إخوتي و أعمامي و أمي و زوجتي ، كتبتُ على كلّ ظرفٍ مختوم ، ممنوعٌ من الفتحِ قبلَ أن ُيقطبَ الجبينُ فوقَ ست و تكوى الوجنتانِ بالنارِ و عاهدني الجميعُ على ذلك و مازلتُ أنتظرُ أن يشقّ الجبينُ أو تكوى الوجنتان .
فجأةً رنّ جرسُ المنبه عند الساعةِ السادسةِ و خمسٍ و خمسينَ دقيقة ، منبهُ العمل .
تذكرتُ ما جالَ في خاطري خلال الساعتين الماضيتين ، أدركتُ أنّه لم يكنْ هناكَ أيُّ حلم ، لا أولٌ و لا ثاني و لا ثالث و لا رابع ، مجردُ أضغاثِ أحلامٍ في اليقظة ، لكنّها في الحقيقةِ أفرحتني ، منحتني المزيدَ من القوةِ و الأمل .
من جديد ، ألقيتُ نظرةً على الفتاتين و ردّدتْ : اللّهم يا ربْ.. يا شافي يا معافي شافِ و عافِ بخفي لطفكَ مرضانا و مرضى المسلمين و عاهدتُ نفسي أن أنتظرَ على السطح ، لمّ لا ..؟ فليقطبَ الجبينُ و لتكوى الوجنتان ، اللهُ موجودٌ فالأملُ موجود .
الشاعر حسان يوسف

المزيد...
آخر الأخبار