بقلم ..ياقوت الحموي
في الذاكرة السورية، حضرت عاشوراء بطريقتها البسيطة: في البيت والمسجد، وفي صيام الآباء والأمهات، وفي دعاء الجدات، وفي الحكاية التي كان يسمعها الصغار كل عام عن موسى عليه السلام وفرعون.
كان الطفل يسأل أحياناً: لماذا نصوم اليوم؟
فيأتيه الجواب كما اعتاده الناس: هذا يوم أنجى الله فيه سيدنا موسى من فرعون. نصوم شكراً لله، وندعو أن ينجينا الله من كل ظلم ومن كل فرعون.
هكذا حضر عاشوراء في بيوت كثيرة، بلا ضجيج أو استعراض، وبلا محاولة لتحويله إلى مناسبة سياسية أو مشهد مفروض على الناس.
في الفهم النبوي المتوارث، عاشوراء يوم من أيام الله، هو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وصامه النبي صلى الله عليه وسلم شكراً لله، ثم بقي في وجدان المسلمين يوماً للصيام والذكر واستحضار معنى النجاة من الطغيان.
وفي بعض المدن والبيوت السورية رافقت هذا اليوم عادات اجتماعية مميزة رغم بساطتها. في دمشق حضرت أكلات بيضاء مثل الرز بحليب والرشتاية والألماسية، وفي حلب عرفت بعض البيوت عادة طبخ الحبوب، لكنها بقيت من ذاكرة الناس ودفء البيوت، لا حكماً دينياً ولا بديلاً عن المعنى الأوضح في اليوم: الصيام والشكر.
لذلك لم تكن عاشوراء في الذاكرة السورية يوماً بلا معنى حتى يعاد تعريفها بالرايات والمواكب والشعارات، كان لها معناها الهادئ في حياة الناس قبل أن تتحول، في بعض المشاهد اللاحقة، إلى صورة سياسية وطقسية ثقيلة.
من هنا يظهر الفرق بين عاشوراء كما عرفتها سوريا، وبين الصورة التي توسعت لاحقاً مع النفوذ الإيراني والميليشيات المرتبطة به خلال سنوات الثورة السورية وماتخللها من حرب وتدخلات خارجية.
المشهد السوري المألوف كان هادئاً وقريباً من الناس: بيت ومسجد وصيام ودعاء.
أما المشهد الذي تمدد في ظل النفوذ الإيراني قبل التحرير، فكان مختلفاً في شكله وروحه، من رايات ومواكب وحسينيات وشعارات وتنظيم جماعي واضح، ارتبط بمحور سياسي إقليمي دخل إلى سوريا مع السلاح والوصاية، وحاول أن يفرض صورته على ذاكرة السوريين بقوة النفوذ والسلاح.
ليست المشكلة في أن تكون لطائفة ما شعائرها داخل بيئتها، المشكلة تبدأ حين يتحول الطقس الديني إلى أداة نفوذ، وحين يراد للمكان أن ينسى ذاكرته المتوارثة، أو أن يلبس ذاكرة جديدة جاءت مع السياسة والسلاح والتمدد الخارجي.
السوريون يحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. يحبون علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ويرون في الحسين سبط النبي وريحانته، ويحزنون لمقتله ظلماً وعدواناً. وهذا الحب لم يكن يوماً بحاجة إلى راية وافدة كي يثبت صدقه.
ما عرفه السوريون كان محبة بلا غلو، وحزناً على المظلوم بلا تحويل الحزن إلى سلطة على الذاكرة العامة، وتوقيراً لآل البيت بلا استخدام سياسي ولا استعراض في الشوارع.
لذلك فالحديث عن عاشوراء السورية ليس خصومة مع الحسين رضي الله عنه ولا مع محبة آل البيت، بل هو دفاع عن ذاكرة بلد عرف هذا اليوم بطريقته، قبل أن تأتيه الرايات المنظمة والشعارات الثقيلة والمواكب التي تريد أن تعيد تشكيل صورته.
اليوم، بعد التحرير وتراجع النفوذ الإيراني المباشر في سوريا، لم يعد الحديث عن هذه الذاكرة مجرد رجوع إلى الماضي، بل صار جزءاً من استعادة المعنى. فالسوريون الذين عاشوا سنوات طويلة تحت ثقل السياسة والسلاح والشعارات الوافدة يملكون اليوم حقاً طبيعياً في أن يرووا مناسباتهم كما عرفوها هم: من البيت والمسجد والصيام والدعاء، لا من الصورة التي حاولت تلك المشاريع أن تفرضها عليهم.
عاشوراء في سوريا كانت يوماً يذكر الناس بأن الله ينجي عباده من كل فرعون، وأن الطغيان مهما طال لا يملك الكلمة الأخيرة.
ومن حق هذه الذاكرة، كما عاشها السوريون في بيوتهم ومساجدهم، أن تروى بصدق لا أن تصادر أو يعاد تشكيلها.
وسوريا التي عرفت عاشوراء بالصوم والدعاء والمحبة، تستحق أن تروى ذاكرتها كما عاشها أهلها.
#صحيفة_الفداء