ظاهرة التعنيف الأسري ضد الأطفال.. أسبابها الاجتماعية وتبعاتها القانونية

 

الفداء

لم يعلم الطفل البالغ من العمر ثلاث سنوات ونصف، أن بيته سيكون شاهداً على نهايته، ففي تفاصيل هذه القصة التي بقيت بعيدة عن الإعلام، وحصلت “الفداء” على تفاصيلها من أحد أقرباء الطفل “الذي فضل عدم الكشف عن اسمه”.

حيث دفعت زوجة الأب الصغير بشدة نحو الحائط ليرتطم رأسه بقوة، قبل أن تظهر تحقيقات الطب الشرعي وجود علامات خنق حول عنقه، ونزيفاً داخلياً حاداً في الرأس والرئتين أنهى حياته قبل أن يبدأها، وهي الجريمة التي قادت إلى توقيف الجانية وإيداعها السجن رهن المحاكمة والعدالة.

هذه الجريمة ليست مجرد حادثة فردية معزولة، بل واحدة من جرائم كثيرة تنطوي تحت ظاهرة “العنف الأسري”، التي باتت تتجاوز مسميات التربية والحزم والتأديب، لتتحول في كثير من الأحيان إلى إيذاء متعمد وجرائم مكتملة الأركان تتطلب موقفاً مجتمعياً وقانونياً لا يلتمس للأمر أي مبرر.

جذور القسوة وآثارها الممتدة

وفي حوار مع صحيفة الفداء، يتناول الاختصاصي الاجتماعي “محمد زياد طرابلسي”، الجانب الاجتماعي والنفسي لهذه الظاهرة، مشيراً إلى أنَّ تقديرات منظمة الصحة العالمية تؤكد أن نحو 1.2 مليار طفل حول العالم يتعرضون للعقاب البدني سنوياً تحت مُسمّى التربية!!

وفي مجتمعنا، تتشابك عوامل عدة لتخلق بيئة خصبة للعنف الأسري وتفرغ غضب الكبار في أضعف الأفراد. فالضغوط الاقتصادية وتدني المستوى المعيشي يولدان شعوراً بالنقص والعجز عن تلبية متطلبات الحياة، ليتحول هذا العجز إلى غضب يفرغ مباشرة على الطفل.

 

كما يساهم الإحباط وفقدان مهارات التحكم بالغضب لدى المربي في اللجوء إلى الضرب كحل أولي وسهل، مدفوعاً بأعراف اجتماعية خاطئة تمنح العنف شرعية مزيفة تحت مظلة “عم ربي الولد”، بأمثال موروثة مثل “العصا لمن عصا” و”العصاية من الجنة”.

ويؤكد “طرابلسي”، أنَّ هذا السلوك يتسبب في قطع العلاقة الآمنة مع الطفل، ويؤثر سلباً على نمو دماغه واستجابته للتهديدات بحسب دراسات جامعة هارفارد، ما يرفع خطر الإصابة باضطرابات القلق المختلفة، والسلوكيات الإدمانية الخطيرة مستقبلاً.

كما يفسر علم الاجتماع هذا العنف ك”صمام تنفيس”، للإحباطات المهنية والاجتماعية التي يعاني منها الأهل، وكما يرى الدكتور سعد الدين إبراهيم، فإن العصا التي تُرفع في وجه الطفل هي ذاتها التي سيرفعها مستقبلاً في وجه المجتمع.

ويختتم الاختصاصي الاجتماعي بالقول: إن المأساة تكمن في الخلط بين أهمية التأديب الرمزي الهادئ و مساوئ العنف الشديد، في حين أن التربية الحقيقية هي تنمية وعلم وفن، ما يتطلب دعم إطلاق دورات تدريبية مجانية في “الرعاية الوالدية”، يستفيد منها الوالدين من علوم وفنون التربية لتنمية شخصيات أولادهم وتمكينها للتعامل مع استحقاقات الحياة المستقبلية المختلفة.

هنا نستحضر مقولة الصحفي “هودينغ كارتر” : “أثمن ما نتركه لأولادنا: الجذور والأجنحة”.

الحماية التشريعية وواجب التدخل المبكر

 

وحول الوضع القانوني والتشريعي، تؤكد المحامية ندى داؤد للفداء، أن العنف المرتكب بحق الأطفال ليس مجرد سلوك خاطئ أو أسلوب تربية غير سليم، وإنما قد يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، وتزداد خطورة الفعل عندما تؤدي هذه الممارسات إلى إصابة الطفل أو عاهة دائمة أو وفاته.

وتوضح داؤد، أن القانون السوري وضع حماية الطفل من العنف ضمن الحقوق الأساسية التي يجب احترامها، حيث نص قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 على حق الطفل في الحماية من مختلف أشكال العنف والإساءة، سواء كانت جسدية أو نفسية أو جنسية أو غيرها.

وفي الحالات التي يصل فيها العنف إلى حد وفاة الطفل، فإن الموضوع لا يعود مجرد “تعنيف” أو “تأديب”، وإنما نكون أمام جريمة جسيمة بحق إنسان، ويُحدد الوصف القانوني والعقوبة وفق ظروف كل واقعة، وطريقة ارتكاب الفعل، والقصد الجرمي، والنتيجة التي ترتبت عليه، إضافة إلى الصلة بالفاعل والظروف المشددة التي قد تتوافر في القضية.

وتشدد المحامية على أن الرسالة القانونية الأهم في القضايا المتعلقة بالإيذاء الأسري هي أن الطفل ليس ملكاً لأسرته، ولا يحق لأي شخص، مهما كانت صفته أو درجة قرابته، أن يمارس العنف بحقه تحت أي ذريعة، سواء سُمي ذلك تربية أو تأديباً أو عقاباً. كما أن مسؤولية حماية الطفل لا تقع على الأسرة وحدها، وإنما تتطلب تدخلاً فعالاً من الجهات المختصة عند وجود مؤشرات على تعرض الطفل للعنف أو الخطر، فالتبليغ المبكر عن حالات العنف قد يكون في بعض الأحيان هو الفاصل بين إنقاذ حياة طفل وبين وقوع جريمة لا يمكن تدارك نتائجها.

​وتختتم داؤد رؤيتها بالتأكيد على أن تطبيق القانون لا ينبغي أن يقتصر على معاقبة مرتكب الجريمة بعد وقوعها، بل يجب أن يترافق مع آليات فعالة لاكتشاف حالات العنف مبكراً، والاستجابة للشكاوى المتعلقة بتعرض الأطفال للإيذاء، وتأمين الحماية اللازمة لهم، لأن حماية الطفل تبدأ قبل وقوع الجريمة، وليس بعدها فقط.

فالجرائم المرتكبة بحق الأطفال تستدعي موقفاً مجتمعياً وقانونياً واضحاً، لا يمكن اعتبار العنف ضد الطفل شأناً عائلياً خاصاً عندما يتحول إلى إساءة أو إيذاء أو تهديد لحياته وسلامته، فالطفل صاحب حق، وحمايته مسؤولية قانونية ومجتمعية.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار