أ.عبدالناصر حوشان رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية
الجزء الأول
يُعتبر ملف المفقودين والمختفين قسريّاً من أخطر وأعقد ملفات الثورة السورية لما يترتب عليها من آثار قانونية تتعلق بكل مناحي حياة الأفراد من أحوالهم الشخصية من زواج وطلاق ونسب لميراث وأحوالهم المدنية من تسجيل وقائع الميلاد والوفاة والزواج والولادة وشؤونهم المالية وإدارة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ويعتبر أمر الحفاظ على الأدلة اللازمة في المستقبل لتحديد هوية أصحاب الجثث لاستعادة الروابط العائلية أو لضرورات التحقيق الجنائي عن الجرائم التي تسببت بفقدان الأشخاص.
وخلال مفاوضات آستانا تحوّل ملف المفقودين إلى ورقة سياسية حيث نجح النظام الروسي ونظام أسد المجرم، بالتواطؤ مع المجتمع الدولي من خلال تحويله إلى ملف تفاوضي وصفقات تبادل بينه وبين الفصائل العسكرية واستخدامها في أكبر عملية ابتزاز ممنهجة للاستيلاء على أموال وأملاك المفقودين وعائلاتهم واستخدامهم أيضاً كرهائن لبت الذعر في قلوب الناس والتحكم بهم.
لأهميّة الموضوع كان لِزاماً علينا أن نُبيّن أحكام المفقود في القانون السوريّ والقانون الدوليّ وسنجزِّئ الموضوع إلى جزئين نتناول في الجزء الأول أحكام المفقود في القانون السوريّ والجزء الثاني سنتناول من خلاله أحكام المفقود في القانون الدولي حتى يتعرّف الجميع على مدى خطورة استمرار حالة الفقدان والاختفاء القسريّ والاعتقال التعسّفيّ وضرورة إنهاء هذه الأحوال ومعالجة آثارها القانونيّة، بما يحقّق إعادة الاستقرار لحياة الأفراد والأسر والعائلات.
المفقود في القانون السوري: لقد عرفت المادتان”202 و203 “،من قانون الأحوال الشخصية السوري الغائب المفقود:
المفقود: هو الشخص الذي لا تعرف حياته أو مماته.
الغائب: هو الشخص الذي تعرف حياته، ولكن ليس له محل إقامة ولا موطن معلوم أو الشخص الذي يكون له محل إقامة أو موطن معلوم في الخارج، إنما استحال عليه أن يتولى شؤونه بنفسه أو أن يشرف عمن أنابه في إدارتها.
أحكام المفقود في الشريعة والقانون:
في الفقه الإسلامي: عند الأحناف والشافعية: يبقى المفقود حياً في الحكم باستصحاب الحال في حق زوجته وتركته فلا تحل زوجته للزواج من سواه ولا توزع تركته ما لم تثبت وفاته بشهادة شاهدين عدلين يشهدان وفاته أو يُحكم بوفاته بعد انقراض أقرانه وهم من كان في سنه من أبناء حيه وقريته.
وذهب الشافعي، إلى أنه يحق لزوجته طلب الحكم بوفاته بعد أربع سنين وهذا عند الأحناف والشافعية سواء أكان فقده في حال تغلب فيها السلامة كالغيبة لطلب العـلم أو الرزق أم في حال يغلب فيها الهلاك كحرب أو زلزال أو حريق.
في القانون: نصت المادة “205” من قانون الأحوال الشخصية على أن الفقد ينتهي بعودة المفقود أو بموته أو بالحكم باعتباره ميتاً عند بلوغه الثمانين من العمر هذا إذا لم يكن فقده بسبب عمليات حربية أو حالات مماثلة لها مما يغلب فيها الهلاك فإنه يجوز الحكم بموته، بعد مرور أربع سنوات من تاريخ فقده. وبهذا فقد وافق القانون مذهب الأحناف في حالات الفقد التي تغلب فيها السلامة، ووافق الحنابلة في الأحوال التي يغلب فيها الهلاك.
آثار الحكم بوفاة المفقود: يترتب على الحكم بوفاة المفقود انقضاء شخصيته القانونية فتعتد زوجته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام وتحل بعدها للزواج وتقسم تركته على ورثته الموجودين وقت الحكم بوفاته. أما من مات من ورثته قبل ذلك فلا يرثه لعدم تيقن وفاة المفقود قبل الحكم بوفاته وهو شرط الإرث ولكن لا يدخل في تركة المفقود الأموال التي أوقفت له من تركة أقربائه الذين ماتوا حال فقده إنما ترد إلى ورثة مورثه وذلك لعدم تيقن حياته حين ذاك وهو شرط الإرث بالنسبة له.
فإذا عاد المفقود حياً بعد الحكم بوفاته، أو ثبت بالبينة أنه كان حياً عند الحكم بوفاته فإنه ينفسخ الحكم بالوفاة وتعود زوجته إلى عصمته فإذا كانت زوجته قد تزوجت بعد عدتها من زوج آخر فإن زواجها ينفسخ إلا إذا كان الزوج في الزواج الثاني قد دخل بها ما لم يكن حين تزوجها يعلم بحياة زوجها الأول أو تزوجها وهي في العدة فإنها للزوج العائد لبطلان عقد الزواج من الثاني.
وأما بالنسبة لتركته فإنه يسترد ما بقي قائماً منها لم يوزع أو ما وزع ولا يزال موجوداً في يد ورثته أما ما هلك أو استهلك فلا يضمنونه لا بمثله ولا بقيمته لأنهم ملكوا التصرف فيه بحكم القضاء ما لم يكن المتصرف بهذه الأموال أو المتصرف إليه بها يعلم بحياة المفقود فإنه يضمن. وهذه الأحكام لم ينص عليها قانون الأحوال الشخصية السوري، ولكن يؤخذ بها قانوناً عملاً بالمادة” 305″ منه، باعتبار أن هذه الأحكام تمثل الراجح من مذهب الأحناف الذي أوجب هذا النص الرجوع إليه عند خلو نص في قانون الأحوال الشخصية.
الوكالة القضائية عن المفقود وأحكامها في القانون: الوكيل القضائي هو النائب الشرعي عن المفقود لعجزه عن التصرف بأمواله للغيبة والفقد، ولهذا نصت المادة”204″، من قانون الأحوال الشخصية السوري على أنه: إذا ترك المفقود وكيلاً عاماً تحكم المحكمة بتثبيته متى توافرت فيه الشروط الواجب توافرها في الوصي، وإلا عينت له وكيلاً قضائياً.
وقد ألزم المشرع السوري في المواد “180-182″ من قانون الأحوال الشخصية السوري الوصي، ووكيل المفقود، أن يستأذن القاضي في كل تصرف من تصرفاته، مع بطلان التبرعات من مال المفقود مطلقاً.
ونصت المادة”574″منه: للقاضي أن يبيع ما يتسارع إليه الفساد من مال المفقود منقولاً كان أو عقاراً، ويحفظ ثمنه ليعطى له إن ظهر حياً، أو لمن يستحقه من ورثته بعد الحكم بموته، وليس له أن يبيع شيئاً مما لا يخشى عليه الفساد ولا لنفقة عياله ولا لغيرها”.
ومن خلال ما سبق نستنتج بأن حياة الفرد ” المفقود” المُعلّقة بين الموت والحياة تجعل حالة زوجه و أصوله وفروعه القانونيّة أيضاً موقوفة على تحديد مصيره ويسرى هذا الحال على أحوالهم المدنيّة وأحوالهم الشخصيّة و حقوقهم الدستوريّة ومنها حقّ الحريّة و حق الزواج وما يتفرّع عنه وحق التملّك وحق التصرّف وحق الميراث، وما يتفرّع عنها الأمر يجعل من كشف مصير المفقودين ضرورة قانونيّة مُلزِمة قبل أن تكون ضرورة إنسانيّة تتوقّف على توفّر الحسّ الإنساني أو الدافع الإنساني لدى الأطراف، وهو ما يوجب علينا كسوريين تكثيف الجهود في سبيل ذلك .
الجزء الثاني
المفقود في القانون الدوليّ:
استكمالاً لموضوعنا حول أحكام المفقود الذي بدأناه ببيان أحكام المفقود في القانون السوري نقدم لحضراتكم استعراض لأحكام المفقود في القانون الدولي، ووسائل حماية رفات الموتى وتحديد هوية أصحابها والغرض من ذلك وأهميته ولفهم آلية عمل الهيئة الوطنية لشؤون المفقودين المستحدثة بالمرسوم الجمهوري رقم /20/ لعام 2025 وبالتالي كيفية التعاون معها في كشف مصيرهم .
وكذلك العلاقة مع المؤسّسة المستقلّة من قبل الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في حزيران 2023، التي كُلِّفت بمهام تحديد مصير ومكان وجود جميع الأشخاص المفقودين في سورية، ودعم الناجين والناجيات وأسر المفقودين بالتعاون الوثيق و التكامل مع الجهات الفاعلة المعنيّة.
تعريف المفقود: تُعرِّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر المفقودين بأنهم: الذين لا تعرف أسرهم مكانهم و/أو -على أساس معلومات يُعوَّل عليها -أُعلِن عن فقدهم، فيما يتصل بنزاع مسلح دولي أو غير دولي أو حالة من حالات العنف أو اضطرابات داخلية أو أي وضع آخر قد يتطلَّب تدخل وسيط محايد ومستقل.
ويشير تعبير المفقودين أما للموتى أو الأحياء الذين قد يكونوا محتجزين سرّاً أو منفصلين عن أقاربهم من جراء نزوح مفاجئ أو كارثة أو حادثة.
ويتمتّع المفقودون بجملة من الحقوق أقرتها الأعراف والاتفاقيّات الدوليّة ومنها:
حماية المفقودين بموجب اتفاقيات جنيف: تنص اتفاقيات جنيف لسنة 1949 على الالتزامات التي يتعين على أطراف النزاعات المسلحة الدولية الوفاء بها باتخاذ كل التدابير الممكنة لتوضيح مصير المفقودين، والبحث عن الأشخاص الذين أعلن الطرف الخصم أنهم مفقودون وتسجيل المعلومات الخاصة بهؤلاء الأشخاص.
المادتان “١٩-٢٠” من اتفاقية جنيف الأولى.
المادتان “١٦-١٧” من اتفاقية جنيف الثانية.
المادتان “١٢٢-١٢٥” من اتفاقية جنيف الثالثة.
المادتان ١٣٦-١٤١” من اتفاقية جنيف الرابعة.
المادتان ٣٢-٣٣” من البروتوكول الإضافي الأول.
إذا كان الشخص مفقوداً بسبب تحركات سكانية في أوقات النزاع المسلح، فيجب استعادة الروابط العائلية في أقرب وقت ممكن وفقاً للمادتين “٢٥و٢٦” من اتفاقية جنيف الرابعة.
إذا كان الأشخاص مفقودين بسبب قيام الخصم باحتجازهم أو علاجهم فإن القانون الدولي الإنساني يقضي بأنه يجب إبلاغ عائلاتهم والسلطات على وجه السرعة من خلال ثلاث قنوات “الإخطار بدخول المستشفى أو الوقوع في الأسر أو الاحتجاز” وإرسال بطاقات الوقوع في الأسر أو الاحتجاز، والحق في التواصل مع أسرهم. ويجب على السلطات الحاجزة أيضاً التزام بالرد على الاستفسارات عن الأشخاص المحميين المادة”١٦” من اتفاقية جنيف الأولى، والمادة”١٩” من اتفاقية جنيف الثانية، والمواد” ٧٠ و٧١و ١٢٢و ١٢٣ “من اتفاقية جنيف الثالثة والمواد” 106و ١٠٧و136 و137 و140 ” من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة”٣٣/٢” من البروتوكول الإضافي الأول.
حظر الاختفاء القسري بموجب الاتفاقيات الدولية الأخرى:
إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار” 47/133″ لسنة ١٩٩٢ والذي اعتبر الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية.
الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لسنة 2010 وتهدف هذه الاتفاقية إلى منع ممارسات الاختفاء القسري التي تعتبر جريمة، وفي بعض الحالات جريمة ضد الإنسانية، وتؤكد الاتفاقية على حق أي شخص في ألا يتعرَّض للاختفاء القسري، وكذلك حق الضحايا في الإنصاف والتعويض وعدم جواز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري، ويقصد ب “الاختفاء القسري”، الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، ما يحرمه من حماية القانون”.
ويقصد بـ ” الضحية ” الشخص المختفي وكل شخص طبيعي لحق به ضرر مباشر من جراء هذا الاختفاء القسري، ولكل ضحية الحق في معرفة الحقيقة عن ظروف الاختفاء القسري، وسير التحقيق ونتائجه ومصير الشخص المختفي. وتتخذ كل دولة طرف التدابير الملائمة في هذا الصدد، للبحث عن الأشخاص المختفين وتحديد أماكن وجودهم وإخلاء سبيلهم، وفي حالة وفاتهم لتحديد أماكن وجود رفاتهم واحترامها وإعادتها.
وتضمن كل دولة طرف، في نظامها القانوني، لضحايا الاختفاء القسري الحق في جبر الضرر والحصول على تعويض بشكل سريع ومنصف وملائم. ويشمل الحق في الجبر الأضرار المادية والمعنوية، وعند الاقتضاء، طرائق أخرى للجبر من قبيل: رد الحقوق وإعادة التأهيل والترضية، بما في ذلك رد الاعتبار لكرامة الشخص وسمعته وضمانات بعدم التكرار”.
القانون الدولي الإنساني العرفي: تؤكِّد القاعدة” 98″ من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي التي نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 2005 أن الاختفاء القسري محظور في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية ويتسق الالتزام بالكشف عن مصير المفقودين مع الحظر على الاختفاء القسري مع هذه القاعدة والالتزام باحترام الحياة العائلية “القاعدة 105″.
كما تنص القاعدة” 117″ من الدراسة على أنه “يتخذ كل طرف في النزاع الإجراءات المستطاعة للإفادة عن الأشخاص الذين يبلغ عن فقدهم نتيجة لنزاع مسلح، ويزود أفراد عائلاتهم بأي معلومات لديه عن مصيرهم”. وتنطبق هذه القاعدة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
بموجب القانون الجنائي الدولي: بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تُشكِّل الممارسة المنهجية للاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية وفقاً للمادة “7/١/ط” وتُعرِّف المادة”٧/٢/ط”، من هذا النظام الاختفاء القسري بأنه “إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم، بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة”. وعليه ترى المحكمة أن الممارسة المنهجية للاختفاء القسري تعادل في خطورتها جرائم أخرى ضد الإنسانية مثل التعذيب والإبادة والقتل.
وسائل حماية رفات الموتى وتحديد هوية أصحابها: في أعقاب نزاع أو كارثة، تواجه المجتمعات تحديات استعادة جثث الموتى وإدارتها وخاصّة ضحايا القتل الجماعي، وتحديد هوية أصحاب الرفات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالغرض منها، فيما إذا كانت لأغراض إنسانية أم قضائية الأمر الذي يؤثِّر تأثيراً مباشراً على إدارة رفات الموتى.
تحديد هوية أصحاب الجثث لأغراض إنسانية: قد تواجه المنظمات الإنسانية أوضاعاً يتعيَّن عليها البحث عن الموتى وجمع جثثهم تحتاج فيها إلى إذن من الطرف الذي يسيطر على منطقة مُعيَّنة لتنفيذ أنشطة البحث والجمع يتوجب عليها إلا تمنع هذا الإذن بشكل تعسفي وعليها أن تفتح المقابر الجماعية.
وتحديد هوية أصحاب الجثث بهدف تحديد مصير الأشخاص المفقودين سواء كانوا أمواتاً أو على قيد الحياة، وهو جوهر عمل الآلية الدولية التي تم إنشاؤها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة للبحث والكشف عن مصير المفقودين، والتي تتطلب تنسيقاً وثيقاً مع الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ومنظمات المجتمع المدني وروابط الأسر، وأهالي المفقودين لتقديم وتوفير قاعدة بيانات شاملة عن الضحايا وعن أهاليهم يُمكن من خلالها استعادة الاتصال بالأقارب المفقودين أو معرفة مصيرهم وهو الخطوة الأولى التي كانت متاحة أمام الآلية بعد إعلان النظام عدم الاعتراف بها و رفضه التعاون معها ، أي أنه ليس بإمكانها الوصول إلى المقابر الجماعيّة أو أماكن دفن رُفات الموتى من المفقودين الذي يحتاج إلى موافقة النظام ، أمّا اليوم لم يعد هذا العائق موجوداً بعد التحرير و عقد تفاهمات بين الحكومة و بين الآليات الدولية الخاصة بسورية ومنهم مؤسسة البحث عن مصير المفقودين .
يعتمد تحديد الهوية من خلال الطب الشرعي على عناصر متنوعة حسب مكان الجثة، ومقابلة الشهود والعناصر المادية التي يعثر عليها مع جثة المتوفى، “بطاقة هوية أو هاتف محمول أو صور فوتوغرافية أو ملابس”، والعناصر المادية التي لا تزال متاحة على الجثة مثل الأسنان أو ملامح الوجه أو أية علامة مُميِّزة أو بصمات الأصابع أو تحليل الحمض النووي ” DNA”.
تحديد هوية أصحاب الجثث لأغراض قضائية: يُمكِن أيضاً إجراء تحديد هوية أصحاب الجثث لأغراض قضائية، وفي هذه الحالة غالباً ما يكون خطوة أولى لفتح تحقيق جنائي أمام محكمة جنائية وطنيّة أو دوليّة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أو جريمة الإبادة الجماعيّة ،ولا تتطلب التحقيقات الجنائية، فيما يتصل بجرائم الحرب تحديد هوية أصحاب كل الجثث في مقبرة جماعية، ولتوفير الوقت والمال عادةً ما يُركِّز المُحقِّقون الجنائيون على عينة فحسب من الجثث، ويكون هدفهم الأساسيّ هو تأكيد الحقائق والأعداد من أجل جمع الأدلة اللازمة للمحاكم لا من أجل إعداد قائمة كاملة بالضحايا، وتحديد هوية أصحاب رفات كل الموتى ونتيجة لذلك لا يتم بالضرورة الوفاء بحق الأسر في معرفة ما حدث لأقاربهم.
و هذا الغرض و للأسف الشديد استبعده قرار الجمعيّة العامة للأمم المتحدة إنشاء المؤسّسة المستقلّة لكشف مصير المفقودين في سورية، لمّا اعتبرها ذات طابع إنساني بحت ولا ولاية قضائيّة لها لأنّه سيفتح الباب على محاكمة النظام بجرائم الاعتقال التعسّفي و الاختفاء القسري، باعتبارهما جريمتي “دولة”، وهما من الجرائم المستمرة التي لا تنتهي إلا بتوضيح مصير المفقود جرّائِهما بشكل نهائي ولا يسري عليها التقادم، باعتبارهما من جرائم الحرب أو من الجرائم ضد الإنسانية ولا تشملها مراسيم العفو التي تصدر قبل اكتشاف حالات الاختفاء، وهو ما أثار رعب النظام السوري وميليشياته الطائفية ومرتزقة النظام الروسي والإيراني، الأمر الذي دفعهم لرفض مشروع قرار تشكيل الآلية الدولية للكشف عن مصير المفقودين ، و تنتقل هذه المهمة الى الهيئة الوطنية لشؤون المفقودين، و القضاء الوطني السوري لملاحقة مجرمي الحرب.
المحامي عبد الناصر حوشان