فنجان الصبحية.. بين حكم الشارع ومساحة الدعم النفسي للنساء

 

الفداء

ربما لا يتعدى الأمر كؤوساً من الشاي أو فناجين من القهوة، ورغم بساطة المشهد، إلا أنه يحمل في مضمونه الكثير. بين الحين والآخر، تقتطع النساء ساعات قليلة ليلتقين بالجارات والصديقات، في جلسات تبدو للوهلة الأولى مجرد أحاديث عابرة، لكنها تشكل بالنسبة إلى كثير منهن مساحة آمنة لتفريغ أثقال اليوم وضغوط الحياة المعيشية والنفسية.

تستيقظ السيدة مها الجاموس (70 سنة) في كثير من الأيام وهي تشعر بالثقل والوحدة، لكن زيارة سريعة لجارتها كفيلة بتغيير نهارها بالكامل. تقول مها للفداء: “أعتدت مشاركة صباحاتي مع جاراتي اللواتي أصبحن أقرب لي من أخواتي. عندما أستيقظ متعبة ولا طاقة لي، أدعو جارتي أو أزورها، نجلس لساعة أو أكثر، نتحدث عن يومياتنا، نستشير بعضنا حول طبخة اليوم، ونتبادل الحلول لضغوط الحياة. أعود بعد ذلك إلى بيتي بكامل نشاطي وطاقتي.”

هذه التجربة تؤكدها أيضاً شام العلي، الموظفة وربة المنزل، التي ترى في جلسات النساء الدورية متنفساً ضرورياً لإعادة التوازن النفسي وسط تزاحم المسؤوليات.

تعبر شام، عن ذلك بقولها: “نحرص أنا وصديقاتي على اقتطاع وقت خاص بنا بعيداً عن أعباء العائلة والعمل، نضحك، ونفضفض عن همومنا، ونستفيد من خبرات بعضنا في تربية الأولاد وإدارة شؤون المنزل.”

بين مقاهي الرجال وصبحيات النساء

ورغم هذه الوظيفة النفسية والاجتماعية التي تؤديها “الصبحيات”، غالباً ما ينظر الشارع إلى جلسات النساء بأسلوب سطحي، مختصراً إياها في إطار “النميمة والحديث غير النافع”.

في المقابل، عندما يجلس الرجال في المقاهي لنفس الساعات ولأغراض مشابهة، ينظر المجتمع إلى جلساتهم بنظرة مختلفة، فتصنف غالباً على أنها “استراحة عمل” أو “تواصل اجتماعي مشروع”. هذا التباين يعود في جزء منه إلى موروث قديم يربط وجود المرأة بالإنتاجية المنزلية فقط، فيستسهل وصم أي وقت تقتطعه لنفسها خارج هذا النطاق، بينما يمنح جلسات الرجال مشروعية طبيعية، دون الالتفات إلى الوظيفة النفسية والدعم التبادلي الذي تحققه جلسات النساء.

متى يتحول الملاذ إلى فخ؟

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تبقى كل جلسة نسائية آمنة ومحمودة العواقب؟

توضح المرشدة النفسية، رانيا الشيخ إبراهيم، لصحيفة الفداء، أن هذه اللقاءات تكون كسلاح ذي حدين، فهي من جهة ضرورة للتواصل والدعم الاجتماعي، لكنها قد تتحول إلى فخ عندما يساء التعاطي معها.

تبين رانيا، أن الحديث العفوي وإفشاء الخصوصيات قد يقودان أحياناً إلى مشكلات عائلية كبيرة كالطلاق وإثارة الفتن نتيجة تناقل الأسرار والتدخل في الشؤون الخاصة.

وتضيف المرشدة النفسية أن بعض الجلسات قد تسفر عن نتائج عكسية عندما تبدأ المقارنات غير المباشرة بالمستوى المادي أو الحياة العائلية، مما يولد الشعور بالإحباط والغيرة، ويهدد استقرار الأسرة.

الصبحيات.. من وجهة نظر الرجال

على الجانب الآخر، تتباين آراء الرجال حول هذه الجلسات، إذ يرى مرهف خضور (42 سنة) أن فائدة هذه الاجتماعات تعتمد بالدرجة الأولى على المستوى الاجتماعي والثقافي للسيدات المشاركات فيها.

فيما ينظر آخرون إلى أن تحول هذه الجمعات إلى عادة يومية قد يشكل عبئاً مادياً إضافياً على الأسرة، في ظل المستلزمات اليومية والنفقات التي يمكن توفيرها لأولويات أخرى أكثر جدوى في ظل الظروف المعيشية الحالية.

لتبقى الجلسات النسائية الصباحية والمسائية مساحة تعاف بسيطة تبتكرها النساء يومياً للمحافظة على توازنهن النفسي والأسري، شريطة أن تحافظ على حدود الخصوصية والاحترام، وتتحول إلى مساحة للدفء والدعم لا مصدراً للضغط والمشكلات.

 

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار