تغيير العملة السورية خطوةٌ نحو الاستقرار النقدي وتسهيل التجارة

 

زهراء كمون

مع إطلالة عام 2026، خطت سوريا خطوةً نقديةً وصفت بأنها مفصليةٌ في مسار التعافي الاقتصادي، حيث أطلق مصرف سوريا المركزي عملةً وطنية جديدة تعتمد آلية حذف صفرين من القيمة الاسمية.

هذا القرار، الذي يأتي بعد عامٍ من تحولاتٍ سياسية كبرى، لا يقتصر على كونه إجراءً فنياً لتبسيط الحسابات، بل يمثل قراءة اقتصادية عميقة تهدف لمعالجة تركة ثقيلة من التضخم المفرط وجفاف السيولة، ويسعى لتقديم رافعةٍ حقيقية لاستقرارٍ نقدي طال انتظاره.

الأهداف الاستراتيجية: ما وراء حذف الأصفار

تتلخّص الأهداف الرسمية لهذا الإصلاح في إعادة تعريف الوحدة النقدية السورية لتصبح أكثر ملاءمةً للتعاملات اليومية، حيث تعادل كل “ليرة جديدة” مئة ليرة من الفئات القديمة.
ومن منظورٍ اقتصادي، يهدف هذا الإجراء إلى تقليل التكاليف الباهظة التي تتكبدها الدولة والمؤسسات في طباعة ونقل وعدّ كمياتٍ هائلة من الأوراق النقدية، وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في التسعير اليومي نتيجة الأرقام المليونية التي كانت ترهق كاهل المستهلك والتاجر على حد سواء.
وقد شدد مصرف سوريا المركزي على أنّ هذه الخطوة “محايدة “من حيث القيمة الشرائية، بمعنى أنها لا ترفع الأسعار ولا تخفّضها تلقائياً، بل تعيد التعبير عنها بأرقامٍ أكثر انضباطاً ووضوحاً.

انعكاسات السوق: حل أزمة السيولة وتنشيط التجارة

تعد أزمة “جفاف السيولة” من أكبر التحديات التي واجهت السّوق السورية في السنوات الأخيرة، حيث أدت سقوف السحب الصارمة إلى عرقلة النشاط التجاري والصناعي.

ومن المتوقع أن يؤدي طرح العملة الجديدة إلى إنهاء هذه القيود، مما يمنح التجار والصناعيين مرونةً أكبر في حركة الأموال.
وبحسب رصدٍ لآراء الفعاليات التّجارية، تمثل العملة الجديدة فرصةً ذهبيةً لتسريع عمليات البيع والشراء، حيث يتقلص حجم الكتلة النقدية الورقية المطلوبة لإتمام الصفقات، مما يقلل من مخاطر النقل والعدّ والارتباك المحاسبي، ويشجّع على إعادة إيداع الأموال في النظام المصرفي بدلاً من اكتنازها في المنازل.

الاستقرار النّقدي، ومكافحة التضخّم الموروث

على الرغم من أن حذف الأصفار هو إجراءٌ فني، إلا أن انعكاساته على الاستقرار النقدي تعتمد بشكلٍ كبير على العامل النفسي، والثقة بالمؤسسة النقدية.

إن التْخلص من الفئات النقدية المرتبطة بمرحلة الانهيار واستبدالها بفئاتٍ تحمل رموزاً إنتاجية وزراعية يساهم في بناء صورةٍ ذهنية جديدة لليرة السورية.

ومع ذلك، يجمع الخبراء على أن الاستقرار النقدي المستدام لن يتحقق إلا إذا ترافق هذا التغيير مع سياساتٍ ماليةٍ تضبط سعر الصرف وتدعم الإنتاج المحلي. فنجاح العملة الجديدة في كبح التضخم مرهونٌ بالقدرة على جذب الاستثمارات وتفعيل الرّقابة الصّارمة لمنع أي تلاعبٍ بالأسعار خلال فترة الانتقال المحدّدة بـ 90 يوماً.

التحديات اللوجستية ورهان التنفيذ

تظلّ سلاسة الانتقال هي الاختبار الحقيقي لقرار التغيير، فالمواطن السوري الذي عانى من تقلبات حادة يراقب بحذرٍ مدى توفر الفئات الجديدة، وسهولة استبدال القديمة عبر العديد من المنافذ المخصصة.

يتطلب نجاح هذه العملية توفير الأدوات اللازمة لتسهيل تداول العملة الجديدة، من صرّافات آلية وأنظمة دفعٍ مرنة تلبي احتياجات السوق، كتفعيل أنظمة الدفع الإلكتروني لتتكامل مع العملة الجديدة، مما يضمن عدم حدوث صدماتٍ في العرض النقدي تؤثر على انسيابية السّلع في الأسواق.

يمثل عام 2026 بداية تاريخٍ جديد للمصارف السورية، حيث يُنظر إلى تغيير العملة كخطوةٍ أولى في رحلة استعادة السّيادة النقدية.

إن التحول من أكياس النقود إلى الليرة الرشيقة هو عنوانٌ لمرحلةٍ تهدف إلى الشّفافية والكفاءة، ويبقى الهدف الأسمى هو أن يكون هذا الإصلاح النقدي بدايةً لنهضةٍ اقتصادية حقيقية، وأن يمهد هذا التغيير الطّريق لمستقبل اقتصادي مستقر، يلمس فيه المواطن السوري أثر الإصلاح في حياته اليومية، وقوّة عملته الوطنية.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار