الفداء _ ناديا المير محمود
انطلقت ليلة الحادي والثلاثين من كانون الأول ٢٠٢٥ عملية تضليلٍ منسقة، لم تكن تستهدف نقل خبرٍ كاذب فحسب، بل هدفت لابتكار واقعٍ افتراضي يُقنع السوريين بانهيار دولتهم في ذروة احتفالاتهم بالعيد.
بدأت الحكاية بتوظيف الكثير من الحسابات التي بدت عفوية، حيث بُثت أخبارٌ أوليةٌ عن توتراتٍ في منطقة المزة ٨٦ في دمشق، لتكون هذه المنطقة ذات الرمزية الأمنية بمثابة طُعمٍ لشرعنة شائعةٍ أكبر خُطط لها في الكواليس الرقمية تحت عنوان سقوط حكومة الشرع مع نهاية العام.
تشريح آلة الكذب.. ٣٠٢ إشارة لاختراق ١٦ مليون مستخدم
تعتمد آلية ابتكار هذه الشائعات على ما يُعرف بتطوير السياق المتصاعد. وحسب ما نشرته منصّة الكشاف، تم بناء هيكل درامي بدأ بالرصاصة الأولى التي أطلقها المرصد السوري وصحيفة النهار اللبنانية، محولين مفرقعات العيد إلى اشتباكاتٍ بقصر الشعب.
انتقلت العملية بعدها إلى مرحلة الاختلاق التراكمي عبر حسابات تولت تأليف تفاصيل جانبية كخبر اغتيال مستشارٍ للرئيس، لإضفاء صبغة اليقين على الإشاعة الأم، هذه الهندسة نجحت في الوصول إلى ١٦.٨ مليون مستخدم عبر ٣٠٢ إشارة تنسيقية بثت الخبر في وقت واحد، بهدف وضع الدولة في موقعٍ دفاعي وإجبارها على تفاعلاتٍ إعلامية تُبنى حصراً على ما يخطط له مروجو الشائعات.
جذور الشائعة.. من الحسابات العبرية إلى منصات الجوار
لم يكن انفجار الشائعة ليلة رأس السنة وليد لحظته، بل هو امتدادٌ لسياق رصده وزير الإعلام حمزة مصطفى، مؤكداً أن الساحة السورية تشهد منذ أشهرٍ تداولاً منظماً للأكاذيب.
بدأت هذه الموجة من حساباتٍ إسرائيلية قبل أحداث السويداء، ثم تصاعدت وتناقلتها منصاتٌ مرتبطة بـ قسد وحسابات في دول الجوار، وصولاً إلى دخول منابر معادية على خط الترويج المباشر.
تقاطع المصالح هذا يثبت أن الشائعة لم تكن خبراً، بل سلاحاً سياسياً عابراً للحدود، استثمر في المزاج العام للسوريين القلقين على مستقبلهم بعد سنوات الحرب، لمنح هذه الأوهام مساحة تداولٍ واسعة.
تجارب دولية.. حين تسبق الكلمة فوهة البندقية
بالنظر إلى التاريخ، نجد أن ابتكار شائعة الانهيار سلاحٌ استراتيجيٌّ قديم، ففي إندونيسيا عام ١٩٦٥، أدت شائعاتٌ منظمة عن انقلاب وشيك لتصادم القوى الوطنية بناءً على وهمٍ إعلامي. وفي رومانيا عام ١٩٨٩، وُظفت شائعة المقابر الجماعية المفبركة لإثارة الجيش والشارع في لحظة التحول.
وتؤكد دراسات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن الأخبار الزائفة أسرع انتشاراً بنسبة ٧٠٪ من الحقيقة لأنها تُصمم بطريقةٍ فيها قدرٌ كافٍ من الإثارة لمخاطبة غريزة الخوف.
استراتيجية المواجهة الهادئة.. بناء المناعة المستدامة
تثبت معطيات الميدان أن المقاربة الأنسب التي اعتمدتها دمشق هي التعامل مع هذه الحرب النفسية بهدوءٍ ورويّة.
فبينما كان الهدف استدراج الدولة لردود فعلٍ منفعلة تمنح المروّجين شرعيةً إضافية، اعتمدت المؤسسات الرسمية مبدأ بناء المناعة المجتمعية.
هذا المسار التراكمي، كما أشار الوزير مصطفى، يقوم على تعزيز الموثوقية في الخطاب والالتزام بالشفافية، وترسيخ ثقافة التحقق لدى المواطن السوري الذي بات يمتلك راداراتٍ فطرية لكشف التضليل.
إن فشل حملة ليلة رأس السنة لا يعني توقف الحرب، بل يعني انتقالها لمرحلةٍ جديدة. فالرئيس أحمد الشرع الذي استمر في عمله وسط ضجيج الحسابات الوهمية، أكد أن واقعية الميدان هي الرد المفحم.
والدرس الأهم من هذه التجربة هو أن الشفافية ليست مجرد ترفٍ إعلامي، بل هي الرصاصة الوحيدة القادرة على إسكات غرف العمليات السّوداء التي تحاول اغتيال استقرار السوريين قبل اغتيال قادتهم.
#صحيفة_الفداء