بقلم أمين التحرير: فراس اليحيى
في كثير من الحروب التي تخوضها الجيوش الكبرى حول العالم، نسمع عن تكتيكات دقيقة وعمليات نوعية تقوم على تحديد الأهداف مسبقاً، وإبلاغ المدنيين أو الجهات القريبة من مناطق الاستهداف، ولا سيّما عندما تدور المعارك داخل المدن، وبين الأحياء السكنية.
هذا النهج، لا تتقنه إلا قلة من الجيوش التي تضع قيمة الإنسان في صلب عقيدتها القتالية، وحتى بين تلك الجيوش، كثيراً ما يبقى هذا المبدأ حبراً على ورق دون تطبيق فعلي.
تظهر العمليات التي نفّذها الجيش العربي السوري في مدينة حلب، ولا سيّما في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، حقيقة بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها: نحن أمام تحوّل واضح في أسلوب العمل العسكري، يعكس مستوى أعلى من الاحترافية، مقارنة بتجارب سابقة، ويشير إلى تبلور عقيدة قتالية جديدة أقرب إلى ما تعتمده الجيوش النظامية المحترفة في العالم.
هذا التحوّل لا يقتصر على الجانب الميداني فحسب، بل يتعداه إلى البعد الأخلاقي والقانوني، إذ حرص الجيش العربي السوري، وللمرة الأولى بهذا الوضوح، على التأكيد أن عملياته تتماشى مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، وهو مصطلح لم يعد مجرّد خطاب سياسي أو إعلامي، بل جرى تطبيقه عملياً على الأرض ضمن سياق معركة معقدة داخل بيئة مدنية مكتظة.
ويتجلى هذا الالتزام من خلال جملة من الإجراءات الواضحة، كان أولها من خلال الخطوات التي اتُخذت في الشيخ مقصود والأشرفية، والتي لم تكن مفاجئة أو ارتجالية، بل أعلن عنها الجيش بشكل مسبق، في خطوة هدفت إلى تفادي أية خسائر في صفوف المدنيين، ومنحهم فرصة الاستعداد والخروج الآمن من مناطق الاشتباك.
في حين، جرى منح المدنيين مهلة زمنية كافية لمغادرة الأحياء المستهدفة، بالتوازي مع تنسيق مباشر بين الجيش والمؤسسات المدنية، الحكومية وغير الحكومية، لتأمين مراكز إيواء ومستلزمات أساسية، بما يحدّ من أية تداعيات إنسانية محتملة للعملية العسكرية،
بالإضافة إلى قيام الجيش بتحديد ممرات إنسانية واضحة وآمنة لعبور النازحين، وتولّى بنفسه حماية خروجهم وضمان سلاسة حركتهم، في رسالة تعكس قناعة راسخة بأن هذا الجيش هو جيش جميع السوريين، وليس طرفاً في صراع ضد؟ مجتمعه.
والمفاجأة، حين أعلن الجيش بشكل صريح عن مواقع محددة سيتم استهدافها، مع التأكيد على نشر هذه المعلومات عبر وسائل الإعلام الرسمية، بما يسمح للمدنيين بالابتعاد عنها مسبقاً، ويُسهم في تقليص الخسائر البشرية إلى الحد الأدنى، وهو إجراء نادر في الحروب داخل المدن.
ورغم امتلاك الجيش القدرة على الحسم السريع عبر عمليات خاطفة، اختار الطريق الأطول زمنياً، لكنه الأقل كلفة إنسانياً، مفضّلاً الحفاظ على الأرواح على حساب السرعة العسكرية، في قرار يعكس تحولاً جوهرياً في أولويات القيادة الميدانية.
إن ما جرى في حلب، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للتحولات التي يشهدها الجيش العربي السوري. فالتكتيك المدروس، والانضباط الميداني، والتعامل مع المدنيين باعتبارهم أولوية لا عبئاً، كلها مؤشرات على إعادة تعريف دور الجيش بوصفه أداة حماية للدولة والمجتمع معاً.
من هنا، تبدو تجربة الشيخ مقصود والأشرفية أكثر من مجرّد معركة ناجحة، إنها نموذج يطرح للنقاش حول مستقبل العمل العسكري في سوريا، وحول إمكانية ترسيخ نهج يقوم على التخطيط الدقيق، واحترام القانون الإنساني، وبناء جيش محترف يعمل بعقل الدولة لا بعقل الحرب وحدها. وربما تكون هذه التجربة مؤشراً على مسار جديد في إدارة الصراع، يفتح الباب تدريجياً نحو إنهائه، لا إدارته فقط.
#صحيفة_الفداء