الفداء:
تعود إلى ذاكرة البيوت السورية حكاية “المونة” مع كل موسم، تلك العادة التي توارثتها الأمهات والجدات جيلاً بعد جيل. فلم تكن المونة مجرد وسيلة لتخزين الطعام لأشهر الشتاء، بل ثقافة اجتماعية قائمة على التدبير والتعاون والاستفادة من خيرات الأرض.
وبين رائحة المكدوس ودبس البندورة والمربيات والمخللات، تختزن هذه العادة حكايات عائلية وتفاصيل من حياة البيوت القديمة، غير أن ارتفاع تكاليف المعيشة بات يطرح تساؤلات حول قدرة الأسر على الاستمرار في إعداد مؤونتها كما اعتادت سابقاً.
حسابات اقتصادية حاضرة
ومع حلول موسم إعداد المؤونة، تبدأ كثير من الأسر بالتفكير في الأصناف التي يمكن تحضيرها والكميات التي تستطيع تخزينها. غير أن الحسابات الاقتصادية أصبحت حاضرة بقوة، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بالرغبة والمهارة فقط، وإنما بمدى القدرة على تأمين مستلزمات التحضير من خضار وزيوت ومواد أولية وعبوات تخزين.
وتوضح فاطمة الإبراهيم أن إعداد المؤونة لم يعد يتم بالكميات الكبيرة التي كانت تحضرها الأمهات والجدات، بل بات يقتصر على أصناف محددة وبكميات تتناسب مع الإمكانات المادية للأسرة، فيما تلجأ أسر أخرى إلى تقاسم تكاليف التحضير والشراء مع الأقارب أو الجيران، للاستفادة من أسعار الجملة وتخفيف الأعباء.
قيمة تراثية ومعرفة شعبية
ولا تزال المؤونة المنزلية تحتفظ بمكانتها لدى كثير من العائلات، ليس فقط لما توفره من أصناف غذائية، بل لما تحمله من قيمة تراثية واجتماعية؛ إذ تتحول عملية إعدادها إلى مناسبة تجمع أفراد الأسرة، وتتبادل خلالها النساء الخبرات والوصفات القديمة.
كما تشكل المعرفة الشعبية المتوارثة في التحضير والتخزين ركناً أساسياً في حفظ الهوية الغذائية السورية، مع مراعاة شروط النظافة والسلامة الغذائية أثناء حفظها.
تغيرات فرضتها الظروف
من جهتها، تشير حسناء العلي إلى أن الظروف المعيشية فرضت تغيرات ملموسة على هذه العادة، فبعض الأسر باتت تفضل شراء كميات صغيرة عند الحاجة.
وتضرب مثالاً على ذلك بالبرغل قائلة: “البرغل أصبحنا اليوم نشتريه جاهزاً، فيما كنا سابقاً نسلق القمح بكميات كبيرة، ونتشارك أحياناً مع أكثر من عائلة في سلقه وتجفيفه تحت أشعة الشمس ثم جرشه في الطاحون وتخزينه للشتاء. اليوم وبسبب الظروف الاقتصادية اختصرنا العمل واكتفينا بشراء كيلوغرامات معدودة عند الحاجة”.
وبين الذاكرة ومتطلبات الحاضر، تعيد المؤونة المنزلية تشكيل حضورها في البيوت السورية؛ فلم تعد تُقاس بالكميات والمخازن الممتلئة، بل بقدرة الأسر على ابتكار صيغ جديدة للتدبير والتضامن تحمي بها جزءاً أصيلاً من هويتها الغذائية في مواجهة أعباء الحياة.
#صحيفة_الفداء
المزيد...